محمد فاروق النبهان
227
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
عناية العلماء بإعجاز القرآن : أجمع العلماء على أن القرآن هو معجزة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، واختلفوا في أوجه الإعجاز القرآني ، وتعددت الآراء والبحوث وتكاثرت المصنفات التي درست الإعجاز في القرآن ، ولكل رأيه واجتهاده ولكل رؤيته وفهمه ، ومن حق كل باحث وعالم أن يدلي بدلوه ، وأن يحاول إبراز ما يراه من أوجه الإعجاز . . . وإعجاز القرآن سر لا تدركه العقول ، وتقف أمامه حائرة عاجزة ، ترى الإعجاز وتحسه وتدركه ، ولا تعرف سره وكنهه ، فالقرآن من حيث ألفاظه كلام عربي محكم ، يفهمه كل عربي ، وليس فيه غموض أو إبهام ، فكيف يقع الإعجاز في كلام اعتاد العرب سماعه ولما ذا وقفوا أمامه حائرين مندهشين مستسلمين ، يتحداهم ، ويبالغ في التحدي ، فلا يستطيعون مجاراته ولا الإتيان بمثله ، ولا بعشر سور مثله ، ولا بآية من آياته . ووقف العلماء يبحثون عن سر الإعجاز وحقيقته ، فإذا عجزوا عن إدراك ذلك قالوا بأن اللّه قد صرف العرب عن الإتيان بمثله ومبدأ الصرفة ما هو إلا تسليم العجز ، وما هو بالرأي ، ولذلك قال جمهور العلماء بفساد هذا الرأي ، وأخذوا يبحثون عن أوجه الإعجاز في الألفاظ حينا وفي المعاني حينا آخر ، وينظرون في النظم القرآني فيجدون نظما متميزا متفوقا يروقك ويؤنسك ، فالألفاظ جميلة معبرة ، ملائمة للمعاني ، وكأنها أنزلت لكي تصور تلك المعاني أدق تصوير وأجمله . ومن أقدم الذين كتبوا في الإعجاز في القرن الثالث الهجري أبو عثمان الجاحظ المتوفى سنة 255 ه ، وكان من أبرز كتاب عصره وأكثرهم شهرة ، وعرض لمعجزة القرآن في إطار كتبه ومؤلفاته الكثيرة ورسائله العديدة التي تناول فيها معجزة محمد صلى اللّه عليه وسلم وتتمثل هذه المعجزة بالقرآن ، المعجزة الخالدة ، التي تحدى بها النبي صلى اللّه عليه وسلم العرب ، وعجز العرب عن مواجهة التحدي ، والعاقل يتساءل عن أسباب عجز العرب عن مواجهة التحدي ، هل لأنهم أدركوا عجزهم ، فاستسلموا له لئلا ينكشف عجزهم وتقوى حجة « محمد » عليهم ، وقال الجاحظ